بعد نضوج قصص الانتماء

15 شباط – منتج حزمة ’القصص عن الانتماء‘ يكتب عن تجربته ب “مواجهة حقيقيّة مع التاريخ”
0 Shares
0
0
0

لم يكن عام 2020 بالنسبة لي فرصةً لاختبارٍ مهنيّ جديد في عالم الصحافة، وحسب؛ إنّما كان مواجهة حقيقيّة مع التاريخ. جائحة كوفيد-19 تضرب الحياة وتفرض واقعاً جديداً، فيما كنتُ أنشغلُ بالبحث عن أصواتٍ سوريّة تعيش في أوروبا، تحاول أن تصل إلى ذواتها في مجتمعاتٍ جديدة، والسؤال الصعب الذي اتفقنا عليه في منظمة “شرق”: كيف يشعر السوريّون بالانتماء لواقعهم الاجتماعيّ المختلف، وهم يحملون آمال الهجرة واللجوء إلى بلدانٍ آمنة؟

تحدثتُ إلى نحو أكثر من سبعين شخصاً، بعضهم عراقيين، والبقية سوريين، كانوا قد وصلوا إلى أوروبا، إمّا بقصد الدراسة والهجرة. أو كلاجئين؛ وهم الأكثريّة.

كانت أفكارهم تتناثر في حواراتنا الطويلة عن الهجرة والانتماء، تستوقفني اللحظات الأولى لوصولهم، ثم الانعطافات الذاتيّة على مستوى اللغة والعمل والشعور بالراحة على أرض القارة العجوز. 

وعلى مدى سبعة أشهر، اخترنا توثيق خمسين قصة ملفتة، بأصوات أصحابها، دون تدخّل تحريريّ منّا في صيغتها الصوتيّة.

كانوا يسردون تفاصيل الحكاية مع الاعتناء بالوقائع والمشاعر والانطباعات، وكانت قصصاً عن الهجرة والشعور بالانتماء، وكنّا نراهن على صدق التجربة، وصداها الإيجابيّ، مع بعض الإخفاقات _أحياناً_ التي عانوا منها هناك. 

لقد استحضر هؤلاء الذين وقفنا إلى جانبهم نستمع ونسجّل عبر أثير تطبيقات التواصل الاجتماعيّ (واتساب- فيسبوك- سكايب- زوم) وندوّن ونبحث في التفاصيل عن لحظات مفتاحيّة دفعتهم ليكون جزءاً من واقع الهجرة واللجوء، حيث وجدوا أنفسهم بين أناسٍ لا يتكلّمون لغتهم ولا يعرفون عن تاريخهم شيئاً، وكان يجب عليهم التعايش مع ذلك قدر المستطاع، وتطعيم حياتهم بتبادل الثقافات.

 أليست مغامرة تاريخيّة؛ أن نقف أمام تلك العيّنة المجتمعيّة من البشر، لنسجّل معهم دقائق من الذاكرة والأمل، وهم في صراعٍ وجوديّ مع هويتهم، ولغتهم، وذكرياتهم، ونجاحاتهم، وآلامهم، وانتمائهم…؟!

سعينا من خلال هذه التجربة، للحفاظ على إبراز التعدديّة والتنوّع في الأطياف الاجتماعيّة السوريّة، على مختلف المستويات، والاهتمامات، والاعتقادات، والأجناس. وكانت فرصة سماع هؤلاء الناس، سفر ذاتيّ خاصّ للغاية في عوالم أرواحهم، وقد منحونا في منظمة “شرق”، شرف الاحتفاظ بتلك المساحة من التجربة الحياتيّة، لتكون متاحة أمام العالم، كوثيقة شفويّة ومكتوبة، تشهد على قدرة المهاجرين واللاجئين، بالوصول إلى حياةٍ أخرى _إن صحّ التعبير_ حياة تستحقّ الرحلة إلى برّ الأمان رغم البحار والعواصف، وهاهم الآن مثلهم كمثل أبناء البلد التي تحتضنهم في أوروبا، يُعَاملون كلّاً حسب ما يعمل، وما يترك بمكانته الاجتماعيّة من أثرٍ صادر عنه وعن وعيه بالمواطنة.  

اليوم بعد نضوج مشروع توثيق قصص الهجرة والانتماء، الذي أنتجناه في منظمة “شرق”، بمخرجاته التوثيقيّة والإبداعيّة، أردتُ أن أترك هذه التدوينة على منصّتنا هنا، للتاريخ -أيضاً- لأنني كنتُ على اطلاعٍ واسعٍ بنغمة صوت كلّ قصّة، وكلّ موضوع حملته تلك القصص، كلّ لحظة منحوني إياها لأتماهى مع تخيّل الأحداث وتداعيات الصور، كأنني أعيش معهم في تلك الدقائق الخاصّة القادمة من قلوبهم إلينا عبر الأثير، والتي أصبحتْ الآن جزءاً من مكتبة موقع “تاريخي” التابع لمنظمة “شرق”.