لنتعلم عن سوريا وشعبها

0 Shares
0
0
0

خلال السنوات الاخيرة، أجرينا في منظمة ‘شرق’ مقابلات مع سوريين، ينحدرون من خلفيات اجتماعية واقتصادية ودينية وجهوية متنوّعة، تتعلّق بحياتهم في سوريا قبل عام 2011. تركّز كلّ مقابلة على موضوع معيّن يتمتّع فيه الراوي بخبرة، لتوفّر المقابلات جميعها تفاصيلاً دقيقة عن الحياة الشخصيّة للإنسان السوري، الذي يعيش في مجتمع وبلدة محدّدين يتعرّض فيهما لضغوطٍ أو لامتيازات محددة. عند الاستماع إلى هذه الروايات الشخصية يظهر جليّاً أن بعض المسائل أثّرت على حياة السوريين في جميع أنحاء البلاد، بغضّ النظر عن فروقاتهم الإثنية أو الدينية أو الطبقية أو الجهوية، وبأنّ هذه القصص، مجتمعةً، تتيح نفاذ البصيرة لكي نفهم تلك الصعوبات التي واجهها السوريون في العقود التي سبقت ثورة 2011.

سوف يفيد قادة سوريا المستقبليّين كما الوكالات الدولية والمنظمات المعنية بتطوير البلاد في مرحلة ما بعد انتهاء الصراع، النظر في العِبَر التي توفّرها هذه القصص والخبرات الجماعية لضمان تطوير مجتمع مسالم ومزدهر. هذا هو الحافز وراء وجود الكتاب ’سوريا وشعبها‘. أنّه هذه المجموعة من الدراسات الممتدة على مدى ست مجالات مترابطة فيما بينها، والتي تمّت كتابة كلّ منها بعد مراجعة لأكثر من ١٢٠ قصة شخصيّة، نتج عنها هذ الأبحاث.  فعلى الرغم من الدمار الهائل فإن البلاد لن يتم بناؤها انطلاقاً من العدم، فالأفراد والمجتمعات المتنوّعة يحملون ذكريات رائعة وتجارب قيّمة ومعرفة لهذه الأرض، كل ذلك سيكون ذو أهميّة حاسمة يمكن لها، إذا ما تمّ سماعها والاهتمام بها ومشاركتها، أن توفّر الأساس اللازم لإعادة بناء سوريا قوية وشاملة.

لقد أدّى الصراع المستمر إلى تدمير الجزء الأكبر من البلاد، وتهديم جوانب عديدة لهذه المجتمعات، إلّا أنّ الذكريات الدافئة والعلاقات الانسانية تفيض في كلّ مكان. وعندما نفكّر بإعادة الإعمار، سواء أكان الأمر يتعلّق بمبانٍ مادية أو مؤسّسات أو برامج أو مجتمعات، فإن التطلّع إلى ماضي سوريا هو الذي يجب أن يوجّه عملية تصميم مستقبلها، إذ لا يكفي أن نفهم تجربة السوريين أثناء الصراع الدائر فقط، بل سيكون حتاماً علينا كذلك معرفة حيواتهم وتفضيلاتهم واهتماماتهم السابقة لهذا الصراع.

إن التعايش السلمي والتنمية بعد انتهاء الصراع، يتطلبان قبل كل شيء التعاطف مع الإنسان الآخر وتفهّمه، إذ أنّ التنمية الفعّالة والبنّاءة لعمليّة فهمنا للأسباب الحاصلة، وتأثير مختلف الإجراءات والأحداث والبيئات على الأفراد والمجتمعات في الزمن السابق للصراع، تكمن في أساس قدرتنا على تطوير مناهج قد تساعد في أنّهاء الصراع وبناء مجتمعات سلميّة بشكل مستدام، على حدّ سواء.

لعقود من الزمن حُرم السوريون من فرص تبادل خبراتهم وأحلامهم واهتماماتهم بصدق وبطرق بنّاءة، ولهذا كلّه يجب أن نركز جهودنا على بناء ثقة تقوم على رغبة موحِّدة، قوامها بناء مجتمع متناغم وشامل. وأنّه ليمكننا تشييد هذه الثقة من خلال سرد القصص، إن سرد قصص الأفراد عن الكفاح والنجاح، عن المعاناة والعجائب الحاصلة لهم، والاستماع لكل هذه الروايات إنّما يعزز أواصر العلاقات الإنسانية، ويبني مجتمعات أقوى قائمة على أسسٍ من التعاطف والاحترام المتبادل وقبول الآخر.

You May Also Like